بأقلامهم

يحمون فقط حقوق إنسانهم !

 

 

سأخذك بالتاريخ بعيداً لنتذكر أحداثاً مضى عليها الزمن، أحداثاً سأقولها وأنا كُلي أسفاً بذلك نحن بارعون في نسيانها حدثاً تلو الأخر، سأرجعك بالزمن تحديداً إلى الثالث عشر من يونيو عام ١٩٠٦م بقرية دنشواي التابعة لمحافظة المنوفية الواقعة بغرب الدلتا، إلى حدثاً ربما يكون قد حضر بذهنك وربما يكون كالعادة قد مُحيى كما تُمحى أي واقعة مرت بها بلداً عمرها يتخطى الستة ألاف عاماً.

بدأت الحكاية المُفجعة، بخروج خمس ضُباط إنجليزين في رحلة لصيد الحمام، فسألوا عن أفضل موقع لصيد الحمام، فدلهم مصري بسيط على قرية دنشواي، معبراً لهم عن مدى كثرة أعداد الحمام المتواجد في تلك القرية، وصل الضباط إلى دنشواي، وكانت أول هدفاً تصيبه أعيارتهم هو “أم صابر” زوجة مؤذن مسجد القرية، سرعان ما إشتغلت النيران في التبن المتواجد حولها، نظر إليها زوجها فوجدها قتيلة، فلم تكن لديها جناحات لتطير، ولم تكن لها لسان لتنشد بهديلها نغمات الحرية، فما كان منه إلا أن هجم على الضباط، وصار الشد والجذب قائماً بين الطرفين، وما أن علم عمدة القرية بذلك إلا قد أرسل شيخ الخفر والخفرين، ليس لنجدة الأهالي بل لأنقاذ الضباط الأنجليز من الأهالي، توهم الضابط بأن الخفر مثلما توهمت أنا وأنت قد أتت لنجدة الأهالي، فأطلق الضابط عيارة الثاني على شيخ الخفر فأسقطه صريعاً، إشتد غضب الأهالي فلم يجدو أمامهم سوى الطوب والعصا ليتسلحوا بهم، وأستطاعوا بالفعل أن يبروحوا الضباط ضرباً، ولكن الخفر تمكنوا من فعل ما أتوا من أجله وهو تخليص الضباط، فرَّ إثنين الضابط بول قائد الكتيبة وطبيب الكتيبة، ساروا حتى سريسنا والتي سقط عندها بول ميتاً إثر ضربة شمس، وتمكن الطبيب من الوصول إلى الكتيبة، وأستنجد بالعساكر الموجودة في الكتيبة آن ذاك.

بدورهم أسرع الجند لتقفي أثر قائدهم فوجدوا جثمانه بقرية سريسنا متجمعاً حوله أهالي القرية، الذين كانوا يتفقدوه ويحاولون رغم إستعماره الذي دام لقرابة قرن إلا ربع أن ينقذوه، وما أن رأوا العساكر الأنجليز فروا مسرعين، لاحقهم العساكر الأنجليز وتمكنوا من القبض عليهم جميعاً ط، حتى من لاذ بالفرار قتلوه، بعد أن وجدوه مختبئاً بفجوة طاحونة تحت الأرض، رد اللورد كرومر جاء قاسياً كقسوة الأنجليز بإقامة أحكام عرفية، أُتهم فيها ٩٢ من أهالي القرية بالقتل العمد، وفي النهاية أثبتت التهمة على ثلاثة وثلاثون قروياً، وفي الثامن والعشرون من يونيو سنة ١٩٠٦م نفذت أحكام الإعدام وفي قرية دنشواي ولم يكتفو بذلك بل وأمام أهاليهم، والغريب أن المحكمة تألفت من بطرس غالي وزير الحقانية آن ذاك “ولم يكن من الحقانية في شئ”، وأحمد فتحي زغلول الأخ الأصغر لسعد باشا زغلول “ولم يكن مثل أخيه في أي شئ”، عضويين إنجليزين وإبراهيم الهلباوي مدعي النيابة، الذي برء الضباط الأنجليز بل وجعلهم ضحايا قتلت بدون وجه حق، ولم يكترقو أي ذنب لكي يقتلوا.

تاريخ تسطر منذ ما يتخطى القرن، وماذال التاريخ يُعيد نفسه إلى الأن، خرجت بعدها تلك الدول الأسعمارية من مستعمارتها التي كانت تمثل لها شريان الموارد، ونادت بعدها بحقوق الإنسان، ليس لتحمي أي إنسان، ولكن لتحمي مواطنيها، فبعد أن نهبوا الممتلكات، وإنتهكوا الأعراض، وسادوا في الأرض الظلم والفساد، وشردوا الأولاد، خافوا من أن تصبح شعوبهم يوماً مكان تلك الشعوب، فخرجوا لنا بمثاق حقوق الأنسان، أي حقوقاً يتحدثوا عنها ؟!، وبأي كيفية ستتطبق ؟!، وأي عقلاً سيتقبلها ؟!، كلما حدثونا ناشدونا بأن نحترم حقوق الأنسان، بل وإتهامونا بأننا نتعدى على حقوق الأنسان، كيف تقنعني وأنت غير مقتنع بوجود إنساناً سوى إنسانك الذي يعيش فوق أرضك ؟!، أو كما قال شوقي” يا دنشواي علي رباك سلام ذهبت بأنس ربوعك الأيام
يا ليت شعري في البروج حمائم أم في البروج منيّة وحِمام؟”.

بقلم. محمد خلف

الوسوم
أخبار قد تهمك
زر الذهاب إلى الأعلى